محمد بن جرير الطبري

233

تاريخ الطبري

من العمال يكتب له وكان حسن الخط ثم صار مع كاتب كان للمعتصم يقال له يحيى الجرمقاني وكان الفضل بن مروان يخط بين يديه فلما مات الجرمقاني صار الفضل في موضعه وكان يكتب للفضل علي بن حسان الأنباري فلم يزل كذلك حتى بلغ المعتصم الحال التي بلغها والفضل كاتبه ثم خرج معه إلى معسكر المأمون ثم خرج معه إلى مصر فاحتوى على أموال مصر ثم قدم الفضل قبل موت المأمون بغداد ينفذ أمور المعتصم ويكتب على لسانه بما أحب حتى قدم المعتصم خليفة فصار الفضل صاحب الخلافة وصارت الدواوين كلها تحت يديه وكنز الأموال وأقبل أبو إسحاق حين دخل بغداد يأمره بإعطاء المغنى والملهى فلا ينفذ الفضل ذلك فثقل على أبي إسحاق فحدثني إبراهيم بن جهرويه أن إبراهيم المعروف بالهفتى وكان مضحكا أمر له المعتصم بمال وتقدم إلى الفضل بن مروان في اعطائه ذلك فلم يعطه الفضل ما أمر له به المعتصم فبينا الهفتي يوما عند المعتصم بعد ما بنيت له داره التي ببغداد واتخذ له فيها بستان قام المعتصم تمشى في البستان ينظر إليه وإلى ما فيه من أنواع الرياحين والغروس ومعه الهفتي وكان الهفتي يصحب المعتصم قبل أن يفضى الخلافة إليه فيقول فيما يداعبه والله لا تفلح أبدا قال وكان الهفتي رجلا مربوعا ذا كدنة والمعتصم رجلا معرفا خفيف اللحم فجعل المعتصم يسبق الهفتي في المشي فإذا تقدمه ولم ير الهفتي معه التفت إليه فقال له مالك لا تمشى يستعجله المعتصم في المشي ليلحق به فلما كثر ذلك من أمر المعتصم على الهفتي قال له الهفتي مداعبا له كنت أصلحك الله أراني أماشي خليفة ولم أكن أراني أماشي فيجا والله لا أفلحت فضحك منها المعتصم وقال ويلك هل بقي من الفلاح شئ لم أدركه أبعد الخلافة تقول هذا لي فقال له الهفتي أتحسب أنك قد أفلحت الآن انما لك من الخلافة الاسم والله ما يجاوز أمرك أذنيك وإنما الخليفة الفضل ابن مروان الذي يأمر فينفذ أمره من ساعته فقال له المعتصم وأي أمر لي لا ينفذ فقال له الهفتي أمرت لي بكذا وكذا منذ شهرين فما أعطيت مما أمرت به منذ ذاك حبة ( قال ) فاحتجنها على الفضل المعتصم حتى أوقع به ( فقيل ) إن أول ما أحدثه في أمره حين تغير له أن صير أحمد بن عمار الخرساني زماما عليه في نفقات الخاصة ونصر بن منصور